عمر السهروردي
54
عوارف المعارف
وفي وصية لقمان لابنه : يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين ، ولا يعمل المرء إلا بقدر فكان يقينه ، فكان اليقين أفضل العلم ، لأنه أدعى إلى العمل ، وما كان أدعى إلى العمل كان أدعى إلى العبودية وما كان أدعى إلى العبودية كان أدعى إلى القيام بحق الربيوبية ، وكمال الحظ من اليقين والعلم باللّه للصوفية والعلماء الزاهدين ، فبان بذلك فضلهم وفضل علمهم . ثم إني أصور مسالة يستبين بها المعتبر فضل العالم الزاهد ، العارف بصفات نفسه على غيره : عالم دخل مجلسا وقعد ، وميز لنفسه مجلسا يجلس فيه ، كما في نفسه من اعتقاده في نفسه لمحله وعلمه ، فدخل داخل من أبناء جنسه وقعد فوقه ، فانعصر العالم وأظلمت عليه الدنيا ، ولو أمكنه لبطش بالداخل . فهذا عارض عرض له ، ومرض اعتراه وهو لا يفطن أن هذه علة غامضة ، ومرض يحتاج إلى المداواة ، ولا يتفكر في منشأ هذا المرض . ولو علم أن هذه نفس تارت وظهرت بجهلها ، لوجود كبرها ، وكبرها برؤية نفسها خيرا من غيرها . فعلم الإنسان أنه أكبر من غيره كبر ، وإظهاره ذلك إلى الفعل تكبر ، فحيث أنعصر صار فعلا به تكبر الزاهد لا يميز نفسه بشئ دون المسلمين ، ولا يرى نفسه في مقام تمييز يميزها بمجلس . فالصوفي العالم مخصوص مميز ، ولو قدر له أن يبتلي بمثل هذه الواقعة ، وينعصر من تقدم غيره عليه وترفعه ، يرى النفس وظهرها ، ويرى أن هذا داء وأنه إن استرسل فيه بالإصغاء إلى النفس وإنعصارها صار ذلك ذنب حاله ، فيرفع في الحال داءه إلى اللّه تعالى ، ويشكو إليه ظهور نفسه ، ويحسن الإنابة ، ويقطع دابر ظهور النفس ، ويرفع القلب إلى اللّه تعالى مستغيثا من النفس ، فيشغله اشتغاله برؤية داء النفس في طلب دوائها من الفكر فيمن قعد فوقه ، وربما أقبل على من قعد فوقه بمزيد التواضع والأنكسار ، تكفيرا للذنب الموجود ، وتداويا لدائه الحاصل . فتبين بهذا الفرق بين الرجلين